فصل: التفسير المأثور:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وهذا بيان لعذر من خاف المؤاخذة بالاستغفار للمشركين قبل ورود النهي في هذه الآية شديدة ما ينبغي أن يغفل عنها، وهي أنّ المهدى للإسلام إذا أقبل على بعض محظورات الله داخل في حكم الضلال، والمراد بما بتقون ما يجب اتقاؤه للنهي.
فأما ما يعلم بالعقل كالصدق في الخبر ورد الوديعة فغير موقوف على التوقيف انتهى.
وفي هذا الأخير من كلامه وفي قوله: قبل في تفسير ليضل ولا يسميهم ضلالًا ولا يخذلهم دسيسة الاعتزال، وفي كلامه إسهاب، وهو بسط ما قال مجاهد، قال: ما كان ليضلكم بالاستغفار للمشركين بعد إذ هداكم للإيمان حتى يتقدم بالنهي عن ذلك، ويبينه لكم فتتقوه انتهى.
وتقدم في أسباب النزول ما يشرح به الآية من سؤالهم عمن مات، وقد صلى إلى بيت المقدس، وشرب الخمر، ومن قصة الأعراب.
والذي يظهر في مناسبة هذه الآية لما قبلها وفي شرحها: أنه تعالى لما بين أنه لا يستغفر للمشركين ولو كانوا أولي قربى، كان في هذه الآية وفي التي بعدها تباين ما بين القرابة حتى منعوا من الاستغفار لهم، فمنع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الاستغفار لعمه أبي طالب وهو الذي تولى تربيته ونصره وحفظه إلى أن مات، ومنع ابراهيم من الاستغفار لأبيه وهو أصل نشأته ومربيه، وكذلك منع المسلمون من الاستغفار للمشركين أقرباء وغير أقرباء، فكأنه قيل: لا تعجب لتباين هؤلاء، هذا خليل الله، وهذا حبيب الله، والأقرباء المختصون بهم المشركون أعداء الله، فإضلال هؤلاء لم يكن إلا بعد أن أرشدهم الله إلى طريق الحق بما ركز فيهم من حجج العقول التي أغفلوها، وتبيين ما يتقون بطريق الوحي، فتظافرت عليهم الحجج العقلية والسمعية، ومع ذلك لم يؤمنوا ولم يتبعوا ما جاءت الرسل به عن الله تعالى، ولذلك ختمها بقوله: {إن الله بكل شيء عليم}، فيضل من يشاء ويختص بالهداية من يشاء.
فالمعنى: وما كان الله ليديم إضلال قوم أرشدهم إلى الهدى حتى يبين لهم ما يتقونه أي: يجتنبونه فلا يجدي ذلك فيهم، فحنيئذ يدوم إضلالهم. اهـ.

.قال أبو السعود:

{وَمَا كَانَ الله لِيُضِلَّ قَوْمًا} أي ليس من عادته أن يصفَهم بالضلال عن طريق الحق ويُجريَ عليهم أحكامَه {بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ} للإسلام {حتى يُبَيّنَ لَهُم} بالوحي صريحًا أو دِلالةً {مَّا يَتَّقُونَ} أي ما يجب اتقاؤُه من محظورات الدينِ فلا ينزجروا عما نُهوا عنه، وأما قبل ذلك فلا يسمى ما صدَر عنهم ضلالًا ولا يؤاخَذون به فكأنه تسليةٌ للذين استغفروا للمشركين قبل ذلك، وفيه دليلٌ على أن الغافَل غيرُ مكلفٍ بما لا يستبدُّ بمعرفته العقلُ {إِنَّ الله بِكُلّ شيء عَلِيمٌ} تعليلٌ لما سبق أي أنه تعالى عليمٌ بجميع الأشياءِ التي من جملتها حاجتُهم إلى بيان قُبحِ ما لا يستقلُّ العقلُ في معرفته فيبيِّنُ لهم ذلك كما فعل هاهنا. اهـ.

.قال الألوسي:

{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ}
{وَمَا كَانَ الله لِيُضِلَّ قَوْمًا} أي ما يستقيم من لطف الله تعالى وافضاله أن يصف قومًا بالضلال عن طريق الحق ويذمهم ويجري عليهم أحكامه {بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ} للإسلام {حتى يُبَيّنَ لَهُم} بالوحي صريحًا أو دلالة {مَّا يَتَّقُونَ} أي ما يجب اتقاؤه من محذورات الدين فلا ينزجروا عما نهوا عنه، وكأنه تسلية للذين استغفروا للمشركين قبل البيان حيث أفاد أنه ليس من لطفه تعالى أن يذم المؤمنين ويؤاخذهم في الاستغفار قبل أن يبين أنه غير جائز لمن تحقق شركه لكنه سبحانه يذم ويؤاخذ من استغفر لهم بعد ذلك.
والآية على ما روي عن الحسن نزلت حين مات بعض المسلمين قبل أن تنزل الفرائض فقال إخوانهم: يا رسول الله أخواننا الذين ماتوا قبل نزول الفرائض ما منزلتهم وكيف حالهم؟ وعن مقاتل والكلبي أن قومًا قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم قبل تحريم الخمر وصرف القبلة إلى الكعبة ثم رجعوا إلى قومهم فحرمت الخمر وصرفت القبلة ولم يعلموا ذلك حتى قدموا بعد زمان إلى المدينة فعلموا ذلك فقالوا: يا رسول الله قد كنت على دين ونحن على غيره فنحن في ضلال فأنزل الله تعالى الآية، وحمل الاضلال فيها على ما ذكرنا هو الظاهر وليس من الاعتزال في شيء كما توهم وكأنه لذلك عدل عنه الواحدي حيث زعم أن المعنى ما كان الله لوقع في قلوبهم الضلالة: واستدل بها على أن الغافل وهو من لم يسمع النص والدليل المسعي غير مكلف، وخص ذلك المعتزلة بما لم يعلم بالعقل كالصدق في الخبر ورد الوديعة فإنه غير موقوف على التوقيف عندهم وهو تفريع على قاعدة الحسن والقبح العقليين ولأهل السنة فيها مقال: {أَنَّ الله بِكُلّ شيء عَلِيمٌ} تعليل لما سبق أي إن الله تعالى عليم بجميع الأشياء التي من جملتها حاجتهم إلى البيان فيبين لهم، وقيل: إنه استئناف لتأكيد الوعيد المفهوم مما قبله. اهـ.

.قال ابن عاشور:

{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (115)} عطف على جملة: {وما كان استغفار إبراهيم} [التوبة: 114] لاعتذار عن النبي وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام في استغفارهما لمن استغفرا لهما من أولي القربى كأبي طالب وآزر ومن الأمة كعبد الله بن أبي بن سلول بأن فعلهما ذلك ما كان إلا رَجاءً منهما هُدى من استغفرا له، وإعانة له إن كان الله يريده، فلما تبين لهما الثابتُ على كفره إما بموته عليه أو باليأس من إيمانه تركا الاستغفار له، وذلك كله بعد أن أبلغا الرسالة ونصحا لمن استغفرا له.
ولأجل هذا المعنى مهد الله لهما الاعتذار من قبل بقوله: {من بعدِ ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم} [التوبة: 113] وقولِه: {فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه} [التوبة: 114].
وفي ذلك معذرة للمؤمنين المستغفرين للمشركين من أولي قرابتهم قبل هذا النهي.
فهذا من باب {عفا الله عنك لم أذنت لهم} [التوبة: 43].
وفيه تسجيل أيضًا لكون أولئك المشركين أحرياء بقطع الاستغفار لهم لأن أنبياء الله ما قطعوه عنهم إلا بعد أن أمهلوهم ووعدوهم وبينوا لهم وأعانوهم بالدعاء لهم فما زادهم ذلك إلا طغيانًا.
ومعنى: {وَمَا كَانَ الله لِيُضِلَّ قَوْمًا} أن ليس من شأنه وعادة جلاله أن يكتب الضلال لقوم بعد إذ هداهم بإرسال الرسل إليهم وإرشادهم إلى الحق حتى يبين لهم الأشياء التي يريد منهم أن يتقوها، أي يتجنبوها.
فهنالك يُبلغ رسله أن أولئك من أهل الضلال حتى يتركوا طلب المغفرة لهم كما قال لنوح عليه السَّلام: {فلا تسألنِ ما ليس لك به علم} [هود: 46] ولا كان من شأنه تعالى أن يكتب الضلال لقوم بعد إذ هداهم للإيمان واهتدوا إليه لعمل عملوه حتى يبين لهم أنه لا يرضى بذلك العمل.
ثم إن لفظ الآية صالح لإفادة معنى أن الله لا يؤاخذ النبي صلى الله عليه وسلم ولا إبراهيم عليه السلام ولا المسلمين باستغفارهم لمن استغفروا له من قبل ورود النهي وظهور دليل اليأس من المغفرة، لأن الله لا يؤاخذ قومًا هداهم إلى الحق فيكتبهم ضُلالًا بالمعاصي حتى يبين لهم أن ما عملوه معصية، فموقع هذه الآية بعد جميع الكلام المتقدم صيّرها كلامًا جامعًا تذييلًا.
وجملة {إن الله بكل شيء عليم} تذييل مناسب للجملة السابقة، ووقوع {إن} في أولها يفيد معنى التفريع.
والتعليل مضمون للجملة السابقة، وهو أن الله لا يضل قومًا بعد أن هداهم حتى يبين لهم الحق. اهـ.

.قال الشعراوي:

{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (115)}
وهنا الهداية هي هداية الدلالة حتى يبين لهم ما يتقون؛ {وَمَا كَانَ الله لِيُضِلَّ قَوْمًا} أي: ما كان الله ليحكم بضلالة قوم حتى يبين لهم ما يتقون. والتقوى التزام أمر الله ونهيه، فإذا وافقوا البيان هداهم هداية معونة، وإذا لم يوافقوا كانوا ضالين، وقد حكم الله بضلالة عم إبراهيم وما حكم الله بضلالته إلا بعد أن بين له منهج الهداية.
وقد بين إبراهيم لعمه منهج الهداية فلم يهتد. ولذلك أمر الله سبحانه وتعالى إبراهيم ألا يستغفر له. اهـ.

.التفسير المأثور:

قال السيوطي:
{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (115)}
وأخرج ابن المنذر عن يحيى بن عقيل رضي الله عنه قال: دفع إلى يحيى بن يعمر كتابًا قال: هذه خطبة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، كان يقوم فيخطب بها كل عشية خميس على أصحابه ذكر الحديث، ثم قال: فمن استطاع منكم أن يغدو عالمًا أو متعلمًا فليفعل ولا يغدو لسوى ذلك، فإن العالم والمتعلم شريكان في الخير، أيها الناس إني والله ما أخاف عليكم أن تؤخذوا بما لم يبين لكم وقد قال الله تعالى: {وما كان الله ليضل قومًا بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون} فقد بين لكم ما تتقون.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وما كان الله ليضل قومًا بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون} قال: نزلت حين أخذوا الفداء من المشركين يوم الأسارى، قال: لم يكن لكم أن تأخذوه حتى يؤذن لكم ولكن ما كان الله ليعذب قومًا بذنب أذنبوه حتى يبين لهم ما يتقون.
قال: حتى ينهاهم قبل ذلك. اهـ.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

من لطائف القشيري في الآية:
قال عليه الرحمة:
{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (115)}
إنَّ الله لا يحكم بضلالكم وذهابكم عن طريق الحقِّ باستغفاركم للمشركين إلا بعد ما تبيَّن لكم أنكم مُنْهِيُّون عنه، فإذا علمتم أنكم نُهِيتُمْ عن استغفارَكم لهم فإنْ أَقْدَمْتُمْ على ذلك فحينئذ ذللتم عن الحقِّ بفعلكم بعد ما نُهيتم عنه.
هذا بيان التفسير للآية، والإشارة فيها أنه لا سَلْبَ لعطائه إلا بِتَرْكِ أدب منكم.
ويقال مَنْ أَحَلَّه بِسَاطَ الوصلة ما مُنِيَ بعده بعذاب الفرقة، إلا لِمَنْ سَلَفَ منه تَرْكُ حُرْمة. اهـ.

.تفسير الآية رقم (116):

قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (116)}

.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
ثم علل علمه بكل شيء بأن قدرته شاملة فهو قادر على نصرة من يريد والانتقام ممن يريد، فلا ينبغي لأحد أن يحب إلا فيه ولا يبغض إلا فيه ولا يهتم بعداوة أحد ممن عاداه فقال: {إن الله} أي الملك الأعظم {له} أي بكل اعتبار تعدونه من اعتبارات الكمال {ملك السماوات والأرض} فلا يخفى عليه شيء فهو خبير بكل ما ينفعكم ويضركم وهو وليكم، يبينه لكم، ومن كان له جميع الملك كان بحيث لا يستعصي على أمره شيء: علم ولا غيره، لأن العلم من أعظم القوى والقدر، ولا يكون الملك إلا عالمًا قادرًا؛ ثم علل قدرته وعلمه بما يشاهد متكررًا من فعله في الحيوان والنبات وغير ذلك فقال: {يحيي ويميت} أي بكل معنى فهو الذي أحياكم وغيركم الحياة الجسمانية وخصم أنتم بالحياة الإيمانية، وكما جعل غيركم بعضهم أولياء بعض وجمعهم كلهم على ولاية عدوهم الشيطان جعلكم أنتم أولياء ربكم الرحمن فهو وليكم وناصركم {وما} أي والحال أنه ما {لكم} ولما كان ليس لأحد أن يجوز كل ما دون رتبته سبحانه، أثبت الجار فقال.
{من دون الله} أي الملك الذي له الأمر كله، وأغرق في النفي بقوله: {من ولي} أي قريب يفعل معكم من الحياطة والنصح ما يفعل القريب من النصرة وغيره.
ولما كان الإنسان قد ينصره غير قريبه قال.
{ولا نصير} أي فلا توالوا إلا من كان من حزبه وأهل حبه وقربه، وفيه تهديد لمن أقدم على ما ينبغي أن يتقي لاسيما الملاينة لأعداء الله من المساترين والمصارحين، فإن غاية ذلك موالاتهم وهي لا تغني من الله شيئًا. اهـ.

.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

ثم قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السموات والأرض يحي ويميت}
في ذكر هذا المعنى هاهنا فوائد: إحداها: أنه تعالى لما أمر بالبراءة من الكفار بين أنه له ملك السموات والأرض، فإذا كان هو ناصرًا لكم، فهم لا يقدرون على إضراركم، وثانيها: أن القوم من المسلمين قالوا: لما أمرتنا بالانقطاع من الكفار، فحينئذ لا يمكننا أن نختلط بآبائنا وأولادنا وإخواننا لأنه ربما كان الكثير منهم كافرين، والمراد أنكم إن صرتم محرومين عن معاونتهم ومناصرتهم.
فالإله الذي هو المالك للسموات والأرض والمحيي والمميت ناصركم، فلا يضركم أن ينقطعوا عنكم.
وثالثها: أنه تعالى لما أمر بهذه التكاليف الشاقة كأنه قال وجب عليكم أن تنقادوا لحكمي وتكليفي لكوني إلهكم ولكونكم عبيدًا لي. اهـ.